فصل: باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر ***


كتاب الشهادات

كتاب الشهادات أخرها عن القضاء لأنها كالوسيلة ‏,‏ وهو المقصود وشروطها كثيرة تأتي في أثناء المسائل حتى قال صاحب البحر ‏:‏ إن شرائطها أحد وعشرون ‏.‏ وشرائط التحمل ثلاثة ‏.‏ وشرائط الأداء سبعة عشر منها عشر شرائط عامة ومنها سبعة شرائط خاصة ‏.‏ وشرائط نفس الشهادة ثلاثة ‏,‏ وشرط مكانها واحد ‏,‏ وسبب وجوبها طلب ذي الحق أو خوف فوت حقه ‏;‏ فإن من عنده شهادة لا يعلم بها صاحب الحق ‏,‏ وخاف فوت الحق يجب عليه أن يشهد عليه بلا طلب ‏,‏ انتهى ‏.‏ هذا ليس بمسلم لأنه لا يجب أن يشهد بدون الطلب مطلقا بل يجب عليه أن يعلم صاحب الحق بأنه يشهد له فإن دعاه وجب عليه ‏,‏ وإلا فلا يجب بل هو مقيد بأن يكون ادعى عند القاضي ولم يجد شاهدا يتم به مدعاه ‏,‏ وذلك الشاهد حاضر يجب أن يشهد فهذا فيه طلب حكمي لأن المدعي ما ادعى عند الحاكم إلا وهو يطلب من يشهد له بحقه كما ذكره المقدسي ‏.‏ ومحاسنها كثيرة منها امتثال الأمر في قوله تعالى ‏{‏ كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ‏}‏ ‏.‏ وركنها استعمال لفظ الشهادة ‏,‏ وحكمها وجوب الحكم على القاضي بما ثبت بها ‏.‏ وفي المبسوط ‏:‏ والقياس يأبى كون الشهادة حجة ملزمة لأنها تحتمل الصدق والكذب ‏,‏ والمحتمل لا يكون حجة إلا أن هذا القياس ترك بالنصوص والإجماع ‏,‏ والشهادة في اللغة خبر قاطع ‏,‏ وقد شهد كعلم وكرم ‏,‏ وقد يسكن هاؤه ‏,‏ وشهده كسمعه شهودا حضره فهو شاهد وقوم شهود أي حضور ‏,‏ وشهد له بكذا شهادة أي أدى ما عنده فهو شاهد ‏,‏ والجمع شهد وتمامه في البحر ‏,‏ فليطالع ‏.‏ وفي التبيين ‏:‏ هي إخبار عن مشاهدة وعيان لا عن تخمين وحسبان هذا في اللغة ‏;‏ فلهذا قالوا ‏:‏ إنها مشتقة من الشهادة التي تنبئ عن المعاينة ‏,‏ وسمي الأداء شهادة إطلاقا لاسم السبب على المسبب ‏,‏ انتهى ‏.‏ وهو خلاف الظاهر ‏,‏ وإنما هو معناها الشرعي أيضا كما في البحر ‏.‏ وعن هذا قال ‏(‏ هي ‏)‏ أي الشهادة ‏(‏ إخبار ‏)‏ شرعي ‏(‏ بحق ‏)‏ أي بمال أو غيره ‏(‏ للغير ‏)‏ أي حصل لغير المخبر من كل الوجوه كما هو المتبادر فيخرج عنه الإنكار فإنه إخبار به لنفسه في يده ‏,‏ وكذا دعوى الأصيل فإنه إخبار لنفسه في يد غيره وكذا دعوى الوكيل فإنه ليس بإخبار للغير من كل الوجوه كما ظن كما في القهستاني ‏(‏ على الغير ‏)‏ فخرج الإقرار إذ هو إخبار على نفسه وتدخل فيه الشهادة بالزناء والبيع ونحوهما ‏(‏ عن مشاهدة لا عن ظن ‏)‏ وإليه الإشارة المصطفوية حيث قال ‏:‏ ‏"‏ذا رأيت مثل الشمس فاشهد ‏,‏ وإلا فدع‏"‏ ‏.‏ وفي العناية ‏,‏ وفي اصطلاح أهل الفقه عبارة عن إخبار صادق في مجلس الحكم بلفظة الشهادة ‏,‏ فالإخبار كالجنس يشملها والأخبار الكاذبة ‏,‏ وقوله ‏"‏ صادق ‏"‏ يخرج الكاذبة وقوله في مجلس الحكم بلفظة الشهادة يخرج الأخبار الصادقة غير الشهادات ‏,‏ انتهى ‏.‏ ويرد عليه قول القائل في مجلس القاضي ‏:‏ أشهد برؤية كذا لبعض العرفيات ‏,‏ والأولى أن يزاد لإثبات حق كما في المنح ‏.‏

فصل في أنواع ما يتحمله الشاهد

فصل لما فرغ من ذكر مراتب الشهادة شرع في بيان أنواع ما يتحمله الشاهد وهو نوعان الأول ما يثبت بنفسه بلا إشهاد والثاني ما لا يثبت بنفسه بل يحتاج إلى الإشهاد فشرع في الأول وقال ‏(‏ يشهد بكل ما سمعه ‏)‏ من المسموعات ‏(‏ أو رآه ‏)‏ من المبصرات ‏(‏ كالبيع والإقرار وحكم الحاكم ‏)‏ مثال ما كان من المسموعات كما في الفرائد لكن يمكن أن يكون مثالا لهما كما في البحر ‏(‏ والغصب والقتل ‏)‏ مثال ما كان من المبصرات ‏.‏ ‏(‏ وإن ‏)‏ وصلية ‏(‏ لم يشهد ‏)‏ من الأفعال مبني للمفعول ‏(‏ عليه ‏)‏ أي على ما ذكر من جانب المدعي ‏;‏ لأن كل واحد منهما ثابت الحكم بنفسه ‏(‏ ويقول اشهد ‏)‏ أنه باع ‏,‏ أو أقر ‏;‏ لأنه عاين السبب فوجبت عليه الشهادة به كما عاين وهذا إذا كان البيع بالعقد فظاهر وإن كان بالتعاطي فكذا ‏;‏ لأن حقيقة البيع مبادلة المال بالمال وقد وجد وقيل لا يشهدون على البيع بل على الأخذ والإعطاء ‏;‏ لأنه بيع حكمي وليس ببيع حقيقي كما في التبيين لكن في البزازية ولو شهدوا بالبيع جاز ولا بد من بيان الثمن في الشهادة على الشراء ‏;‏ لأن الشراء بثمن مجهول لا يصح ‏(‏ لا ‏)‏ يقول ‏(‏ اشهدني ‏)‏ فيما لا إشهاد فيه ‏;‏ لأنه غير واقع فيكون كذبا ‏.‏ وفي التبيين ولو سمع من وراء الحجاب لا يسعه أن يشهد لاحتمال أن يكون غيره إذا النغمة تشبه النغمة إلا إذا كان في الداخل وحده وعلم الشاهد أنه ليس فيها غيره ثم جلس على المسلك وليس له مسلك غيره فسمع إقرار الداخل ولا يراه ‏;‏ لأنه يحصل به العلم وينبغي للقاضي إذا فسر له أن لا يقبله ‏;‏ لأن النغمة تشبه النغمة وقالوا إذا سمع صوت امرأة من وراء الحجاب لا يجوز أن يشهد عليها إلا إذا كان يرى شخصا وقت الإقرار قال الفقيه أبو الليث إذا أقرت امرأة من وراء حجاب وشهد عنده اثنان أنها فلانة بنت فلان بن فلان لا يجوز لمن سمع إقرارها أن يشهد عليها إلا إذا رأى شخصها حال ما أقرت فحينئذ يجوز أن يشهد على إقرارها برؤية شخصها لا رؤية وجهها ‏.‏ قال أبو بكر الإسكاف المرأة إذا حسرت عن وجهها فقالت أنا فلانة بنت فلان بن فلان وقد وهبت لزوجي مهري فإن الشهود لا يحتاجون إلى شهادة عدلين إنها فلانة بنت فلان بن فلان ما دامت حية إذ يمكن للشاهد أن يشير إليها فإن ماتت فحينئذ يحتاج الشهود إلى شهادة عدلين أنها فلانة بنت فلان بن فلان كما في الدرر ‏.‏

باب من تقبل شهادته ومن لا تقبل

لما فرغ من بيان ما تسمع فيه الشهادة وما لا تسمع شرع في بيان من تسمع منه الشهادة ومن لا تسمع وقدم ذلك على هذا ‏;‏ لأنه محال الشهادة والمحال شروط والشروط مقدمة على المشروط كما في العناية لكن المشروط هو الشهادة لا من تسمع منه الشهادة تأمل ‏.‏ وفي البحر يقال قبلت القول حملته على الصدق كذا في المصباح والمراد من يجب قبول شهادته على القاضي ومن لا يجب لا من يصح قبولها ومن لا يصح ‏;‏ لأن من جملة ما ذكره ممن لا يقبل ‏:‏ شهادة الفاسق وهو لو قضى بشهادته صح بخلاف العبد والصبي والزوجة والولد والأصل لكن في خزانة المفتيين إذا قضى بشهادة الأعمى ‏,‏ أو المحدود في القذف إذا تاب ‏,‏ أو بشهادة أحد الزوجين مع آخر لصاحبه ‏,‏ أو بشهادة الوالد لولده وعكسه نفذ حتى لا يجوز للثاني إبطاله ‏,‏ وإن رأى بطلانه انتهى ‏.‏ فالمراد من عدم القبول عدم حله انتهى ‏.‏ ‏(‏ لا تقبل شهادة الأعمى ‏)‏ عند الطرفين سواء كان فيما يسمع أو لا ‏;‏ لأن الأداء يفتقر إلى التمييز بالإشارة بين المشهود له والمشهود عليه ولا يميز الأعمى إلا بالنغمة وهي غير معتبرة لشبهها بنغمة أخرى ‏.‏ وقال زفر وهو رواية عن الإمام تقبل فيما يجري فيه التسامع ‏;‏ لأنه في السماع كالبصير ‏.‏ وفي البحر واختاره في الخلاصة وعزاه إلى النصاب جاز ما به من غير حكاية خلاف انتهى ‏.‏ لكن لم يذكر في الخلاصة أنه مختار وإنما قال ‏.‏ وفي النصاب ‏:‏ وشهادة الأعمى لا تجوز إلا في النسب والموت وما يجوز الشهادة فيه بالشهرة والتسامع فكان ينبغي أن يقول وجزم به في النصاب من غير ذكر خلاف كما ذكره المقدسي ‏(‏ خلافا لأبي يوسف ‏)‏ والشافعي في الدين والعقار ‏(‏ فيما إذا تحملها بصيرا ‏)‏ وإنما قيدنا بالدين والعقار ‏;‏ لأن في المنقول لا تقبل شهادته اتفاقا ‏;‏ لأنه يحتاج إلى الإشارة ‏,‏ والدين يعرف ببيان الجنس ‏,‏ أو الوصف ‏,‏ والعقار بالتحديد وكذا في الحدود لا تقبل اتفاقا قيد بقوله إذا تحملها بصير ‏;‏ لأنه لو تحملها أعمى لا تقبل اتفاقا كما في شرح المجمع وغيره لكن المراد اتفاق غير مالك وإلا فعنده مقبولة قياسا على قبول روايته تدبر ‏.‏ وفي الهداية ولو عمي بعد الأداء يمتنع القضاء عند الطرفين ‏;‏ لأن قيام أهلية الشهادة شرط وقت القضاء لصيرورتها حجة عنده وقد بطلت وصار كما إذا خرس ‏,‏ أو جن ‏,‏ أو فسق بخلاف ما إذا ماتوا ‏,‏ أو غابوا ‏;‏ لأن الأهلية بالموت قد انتهت وبالغيبة ما بطلت انتهى ‏.‏ وعند أبي يوسف لا يمتنع القضاء ‏;‏ لأنه لا أثر في نفس قضاء القاضي للعمى العارض للشاهد بعد أداء شهادته فيكون الأداء عنده حجة ‏.‏

باب الاختلاف في الشهادة

تأخير الاختلاف في الشهادة عن اتفاقها مما يقتضيه الطبع لكون الاتفاق أصلا والاختلاف إنما يعارض الجهل والكذب فأخره وضعا للتناسب كما في العناية ‏(‏ شرط موافقة الشهادة الدعوى ‏)‏ ‏;‏ لأنها لو خالفتها فقد كذبتها والدعوى الكاذبة لا يعتبر وجودها والشرط توافقهما في المعنى دون اللفظ حتى لو ادعى المدعي الغصب فشهدا بإقرار المدعى عليه بذلك تقبل كما في أكثر الكتب وما في الوقاية من أنه شرط موافقة الشهادة الدعوى كاتفاق الشاهدين لفظا ومعنى مخالف لما في أكثر الكتب تدبر ثم فرعه فقال ‏(‏ فلو ادعى دارا شراء ‏,‏ أو إرثا وشهدا ‏)‏ أي الشاهدان ‏(‏ بملك مطلق ردت ‏)‏ شهادتهما ‏;‏ لأنهما شهدا بأكثر مما ادعاه المدعي ‏;‏ لأنه ادعى ملكا حادثا وهما شهدا بملك قديم وهما مختلفان فإن الملك في المطلق يثبت من الأصل حتى يستحق بزوائده ولا كذلك في الملك الحادث ويرجع الباعة بعضهم إلى بعض فيه فصارا غيرين ‏(‏ وفي عكسه ‏)‏ أي ادعى ملكا مطلقا وشهدا بملك بسبب كالشراء ‏,‏ أو الإرث ‏(‏ تقبل ‏)‏ الشهادة ‏;‏ لأنهم شهدوا بأقل مما ادعاه فلم تخالف شهادتهما الدعوى للمطابقة معنى ‏.‏

باب الشهادة على الشهادة

لا يخفى حسن تأخير شهادة الفروع عن الأصول ‏(‏ تقبل ‏)‏ الشهادة على الشهادة استحسانا في جميع الحقوق كالأموال والوقف على الصحيح إحياء له وصونا عن اندراسه والتعزير كما في البحر ‏.‏ وفي الاختيار هذا رواية عن أبي يوسف وعن الإمام أنها لا تقبل وقضاء القاضي وكتابه كما في الخانية ‏(‏ في غير حد وقود وإن ‏)‏ وصلية ‏(‏ تكررت ‏)‏ مرتين ‏,‏ أو مرات أي تجوز في درجات ثم فثم كما تجوز في درجة وكان القياس أن لا تجوز ‏;‏ لأن الشهادة عبادة بدنية والنيابة لا تجري فيها وجه الاستحسان أن الحاجة ماسة إليها إذ شاهد الأصل قد يعجز عن أدائها لبعض العوارض فلو لم تجز لأدى إلى إتواء الحقوق ‏;‏ ولهذا جوزت وإن كثرت أي وإن تعددت إلا أن فيها شبهة من حيث البدلية ‏,‏ أو من حيث إن فيها زيادة احتمال ‏,‏ وقد أمكن الاحتراز عنه بجنس الشهود فلا تقبل فيما تندرئ بالشبهات كالحدود والقصاص وعند الأئمة الثلاثة تقبل فيما يسقط بها أيضا ‏(‏ وشرط لها ‏)‏ أي لهذه الشهادة ‏(‏ تعذر حضور الأصل ‏)‏ أي أصل الشاهد على القضية لأدائها بأحد من الأسباب الثلاثة ‏(‏ بموت ‏)‏ أي بموت الأصل كما في الهداية وغيرها لكن في القهستاني نقلا عن النهاية أن الأصل إذا مات لا تقبل شهادة فرعه فيشترط حياة الأصل ‏(‏ أو مرض ‏)‏ أي يكون مريضا مرضا لا يستطيع به حضور مجلس القاضي وفيه إشعار بأنها تقبل إذا كان الأصل مخدرة وهي التي لا تخالط الرجال ‏,‏ ولو خرجت لقضاء الحاجة ‏,‏ أو للحمام كما في القنية وكذا إذا حبس الأصل في سجن الوالي وأما في سجن القاضي ففيه خلاف كما في السراج فعلى هذا إن ذكر الثلاثة ليس بحصر ‏(‏ أو سفر ‏)‏ شرعي في ظاهر الرواية وعليه الفتوى ‏;‏ لأن جوازها عند الحاجة وإنما تمس عند عجز الأصل وبهذه الأشياء يتحقق العجز بلا مرية فلو كان الفرع بحيث لو حضر الأصل مجلس الحكم أمكنه البيتوتة في منزله لم تقبل وعند أكثر المشايخ وهو قول الأئمة الثلاثة تقبل وعليه الفتوى كما في السراجية والمضمرات قالوا الأول أحسن والثاني أرفع وعن محمد أنه يجوز كيف ما كان ولو كان الأصل في المصر ‏.‏ ‏(‏ و ‏)‏ شرط ‏(‏ أن يشهد عن كل أصل اثنان ‏)‏ ‏;‏ لأن شهادة واحد على شهادة واحد ليس بحجة خلافا لمالك ‏(‏ لا ‏)‏ يشترط ‏(‏ تغاير فرعي الشاهدين ‏)‏ بل يكفي الفرعان للأصلين فلو شهد رجلان على شهادة أصل واحد ثم شهد هذان الشاهدان على شهادة أصل آخر في حادثة واحدة تقبل عندنا لقول علي رضي الله تعالى عنه لا تجوز على شهادة رجل إلا شهادة رجلين ذكره مطلقا من غير تقييد بالتغاير ولم يرو غيره خلافه فحل محل الإجماع خلافا للشافعي بل لا بد عنده أن يكون شهود الفرع أربعة ‏;‏ لأن كل فرعين قاما مقام أصل واحد فصارا كالمرأتين وذكر في الكنز إن شهد رجلان على شهادة شاهدين انتهى ‏.‏ وظاهره أن يكون ذلك شرطا فلا تقبل شهادة النساء على الشهادة كما قاله المقدسي في الحاوي وليس كذلك بل هو سهو وما وقع في الكنز اتفاقي ‏;‏ لأنه يجوز أن يشهد عليها رجل وامرأتان لتمام النصاب وكذا لا يشترط أن يكون المشهود على شهادته رجلا ‏;‏ لأن للمرأة أيضا أن تشهد على شهادتها رجلين ‏,‏ أو رجلا وامرأتين ويشترط أن يشهد على شهادة كل امرأة نصاب الشهادة كما في التبيين وغيره ‏.‏

باب الرجوع عن الشهادة

وجه المناسبة لما قبله وتأخيره عنه ظاهر ‏;‏ لأن الرجوع عن الشهادة يقتضي سبق وجودها ‏,‏ وهو أمر مشروع مرغوب فيه ديانة ‏;‏ لأن فيه خلاصا عن عقاب الكبيرة وترجم بالباب تبعا للكنز مخالفا للهداية إذ ليس له أبواب متعددة ‏,‏ وهو وإن كان رفعا للشهادة لكنه داخل تحتها كدخول النواقض في الطهارة قيل ركنه قول الشاهد رجعت عما شهدت به ‏,‏ أو شهدت بزور فيما شهدت به ‏,‏ أو كذبت في شهادتي فلو أنكرها لم يكن رجوعا وشرطه أن يكون عند القاضي وعن هذا قال ‏(‏ لا يصح الرجوع عنها ‏)‏ أي عن الشهادة ‏(‏ إلا عند قاض ‏)‏ سواء كان هو القاضي الأول ‏,‏ أو غيره ‏;‏ لأن الشهادة تختص بمجلسه فيختص الرجوع بما تختص به الشهادة وهو مجلس القاضي ‏(‏ فلو ادعى المشهود عليه رجوعهما ‏)‏ أي رجوع الشاهدين ‏(‏ عند غيره ‏)‏ أي عند غير القاضي ‏(‏ لا يحلفان ‏)‏ أي الشاهدان إذا أراد المشهود عليه التحليف ‏(‏ ولا يقبل برهانه ‏)‏ أي برهان المشهود عليه ‏(‏ عليه ‏)‏ أي على رجوعهما ‏;‏ لأنه ادعى رجوعا باطلا ‏(‏ بخلاف ما لو ادعى ‏)‏ أي المشهود عليها ‏(‏ وقوعه ‏)‏ أي وقوع الرجوع ‏(‏ عند قاض ‏)‏ آخر غير الذي كان قضى بالحق ‏(‏ وتضمينه ‏)‏ عطف على قوله وقوعه أي تضمين القاضي المال ‏(‏ إياهما ‏)‏ أي الشاهدين وأقام بينة تقبل بينته ويحلفان إن أنكرا ‏;‏ لأن السبب صحيح كما لو أقر عند القاضي أنه رجع عند غير القاضي فإنه صحيح وإن أقر برجوع بطل ‏;‏ لأنه يجعل إنشاء للحال كما في المنح ‏.‏ وفي المحيط ولو ادعى رجوعهما عند القاضي ولم يدع القضاء بالرجوع والضمان لا تسمع منه البينة ولا يحلف عليه ‏;‏ لأن الرجوع لا يصح ولا يصير موجبا للضمان إلا باتصال القضاء ‏(‏ فإن رجعا ‏)‏ أي الشاهدان عن الشهادة ‏(‏ قبل الحكم لا يحكم ‏)‏ القاضي بشهادتهما إذ لا قضاء بكلام متناقض ولا ضمان عليهما لعدم الإتلاف لكن يعزر الشاهد وإطلاقه شامل لما لو رجعا عن بعضها كما لو شهدا بدار وبنائها ‏,‏ أو بأتان وولدها ثم رجعا في البناء والولد لم يحكم بالأصل ‏;‏ لأن الشاهد فسق نفسه وشهادة الفاسق ترد كما في جامع الفصولين ‏.‏ ‏(‏ وإن ‏)‏ رجعا ‏(‏ بعده ‏)‏ أي بعد الحكم ‏(‏ لا ينقض ‏)‏ القاضي حكمه ‏;‏ لأن الكلام الأول قد تأكد بالقضاء فلا يناقضه الثاني وإطلاقه شامل لما إذا كان الشاهد وقت الرجوع مثل ما شهد في العدالة ‏,‏ أو دونه ‏,‏ أو أفضل منه كما في أكثر المعتبرات لكن في خزانة المفتين معزيا إلى المحيط إن كان الرجوع بعد القضاء ينظر إلى حال الراجع فإن كان حاله عند الرجوع أفضل من حاله وقت الشهادة في العدالة صح برجوعه في حق نفسه وفي حق غيره حتى وجب عليه التعزير وينقض القضاء ويرد المال على المشهود عليه وإن كان حاله عند الرجوع مثل حاله عند الشهادة في العدالة ‏,‏ أو دونه وجب عليه التعزير ولا ينقض القضاء ولا يرد المشهود به على المشهود عليه ولا يجب الضمان على الشاهد انتهى ‏.‏ قال صاحب البحر وهو غير صحيح عند أهل المذهب لمخالفة ما نقلوه من وجوب الضمان على الشاهد إذا رجع بعد الحكم وفي هذا التفصيل عدم تضمينه مطلقا مع أنه في نقله مناقض ‏;‏ لأنه قال أول الباب بالضمان موافقا للمذهب انتهى ‏.‏ لكن في الخلاصة مثل ما في الخزانة لكنه قال وهذا قول الإمام الأول وهو قول أستاذه حماد ثم رجع عن هذا القول ‏,‏ وقال ‏:‏ لا يصح رجوعه في حق غيره على كل حال حتى لا ينقض القضاء ولا يرد به على المشهود عليه وهو قولهما انتهى ‏.‏ فعلى هذا ما قاله صاحب البحر من أنه غير صحيح عند المذهب ليس بسديد بل الصواب أن يقول هو مرجوع عنه تأمل ‏(‏ وضمنا ‏)‏ أي الشاهدان الراجعان للمشهود عليه ‏(‏ ما أتلفاه بها ‏)‏ أي بالشهادة لإقرارهما على أنفسهما بالضمان ‏.‏ وقال الشافعي لا يضمنان ‏;‏ لأنه لا عبرة للتسبب عند وجود المباشرة قلنا تعذر إيجاب الضمان على المباشر وهو القاضي ‏;‏ لأنه كالملجأ إلى القضاء وفي إيجابه صرف النفس عن تقلده وتعذر استيفائه من المدعي ‏;‏ لأن الحكم ماض فاعتبر التسبب وإنما يضمنان ‏(‏ إذا قبض المدعي مدعاه دينا كان ‏,‏ أو عينا ‏)‏ ‏;‏ لأن الإتلاف بالقبض يتحقق ‏;‏ ولأنه لا مماثلة بين أخذ العين وإلزام الدين وقد تبع المصنف الكنز والهداية في تقييده وهو مختار السرخسي وصاحب المجمع وخالف أصحاب الفتاوى في إطلاقهم وقد صرح في الخلاصة والبزازية وغيرهما بالضمان بعد القضاء قبض المدعي المال أو لا قالوا وعليه الفتوى وفي الخلاصة أنه قول الإمام الآخر وهو قولهما انتهى ‏.‏ وظاهره أن اشتراط القبض مرجوع عنه كما في البحر وفرق شيخ الإسلام بين العين والدين فقال ‏:‏ إن كان المشهود به عينا فللمشهود عليه أن يضمن الشاهد بعد الرجوع وإن لم يقبضها المدعي وإن كان دينا فليس له ذلك حتى يقبضه ‏.‏ وفي البحر تفصيل عدم انحصار تضمين الشاهد في رجوعه فليراجع ‏(‏ فإن رجع أحدهما ‏)‏ أي أحد الشاهدين عن شهادته في دعوى حق بعد القضاء ‏(‏ ضمن ‏)‏ الراجع ‏(‏ نصفا ‏)‏ إذ بشهادة كل منهما يقوم نصف الحجة فببقاء أحدهما على الشهادة تبقى الحجة في النصف فيجب على الراجع ضمان ما لم تبق الحجة فيه وهو النصف وعن هذا قال ‏(‏ والعبرة ‏)‏ في باب الضمان ‏(‏ لمن بقي ‏)‏ من المشهود وعند الأئمة الثلاثة العبرة لمن رجع إلا في رواية عنهم ‏(‏ لا لمن رجع ‏)‏ هذا هو الأصل فإن بقي اثنان يبقى كل الحق وإن بقي واحد يبقى النصف كما مر آنفا ‏.‏